شخصيات إسلامية: خالد بن الوليد – الحلقة الحادية عشر والأخيرة

شخصيات إسلامية: خالد بن الوليد – الحلقة الحادية عشر والأخيرة
شخصيات إسلامية: خالد بن الوليد - الحلقة الحادية عشر والأخيرة

وفاة خالد بن الوليد رضي الله عنه
توقفنا في الحلقة السابقة عند عزل خالد بن الوليد من قيادة الجيوش ومن ولاية قنسرين وإستدعاء الخليفة عمر بن الخطاب له في المدينة ولقاء الرجلين العظيمين معا وما كان من عمر من تبرئة خالد من أى خيانة أو سخطة وإقاته خالد في خمص وتفرغه للعبادة ولم يعمر خالد طويلا بعد ذلك.

حيث كانت وفاته بحمص بعد حوالي 3 سنوات في عام 21 هجرية الموافق عام 642م رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا وجزاه عنا وعن الإسلام خير الجزاء وروي أن خالد قال على فراش موته لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح.

وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء قاصدا أنه لماذا يجبن الناس في ميادين القتال علما بأن آجالهم محددة وأعمارهم بيد الله وقد حزن المسلمون حزنا شديدا على موته وقال عمر بن الخطاب لما سمع النساء يبكينه على مثله تبكي البواكي وقد كان له من الأولاد أربعين ماتوا جميعهم في طاعون عمواس الذى ضرب بلاد الشام في عام 18 هجرية.

وتوفي خلاله الكثير من الصحابة منهم أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ومعاذ بن جبل وزوجتبه ويزيد بن أبي سفيان والفضل بن العباس وضرار بن الأزور وسهيل بن عمرو وإبنه جندل وغيرهم الكثير رضي الله عنهم جميعا ولم ينج من هذا الوياء القاتل من أبناء خالد إلا إثنين من أبنائه هما المهاجر وعبد الرحمن.

وقد جاءت بعض الأقوال التي تفيد بأن حكمة الله عز وجل قضت أن لا يستشهد خالد بن الوليد رضي الله عنه في أية معركة فالرسول صلي الله عليه وسلم سماه سيف الله المسلول ومن ثم لا يمكن قتله من قبل أعداء الله عز وجل فمن ذا الذى يستطيع قتل سيف الله .

تقييم خالد بن الوليد العسكري
تقييم خالد بن الوليد العسكري

تقييم الأداء العسكرى لخالد بن الوليد


وكلمة أخيرة لابد من ذكرها هنا وهي أن بطلنا خالد بن الوليد قد أثبت التاريخ أنه لم يتخذ أى قرار خلال معاركه الحربية وأصابه الخطأ وهو الذى كان يتعرض في كل يوم بل في كل ساعة لموقف يستوجب أن يتخذ فيه قرارا علي وجه السرعة وقد أدى ذلك إلي أنه قد نما لديه تدريجيا الشعور بحرية التصرف وإتخاذ القرار.

دون إستئذان الخليفة فنجده قد إنصرف للحج بعد معركة الفراض والتي كانت في شهر ذى القعدة عام 12 هجرية بدون أن يستئذن سيدنا أبي بكر الصديق وقد إنتقد البعض هذا التصرف منه ولا يمكننا طبعا أن نقره على هذا التصرف ولكن خالد وهو يفعل ذلك كان علي ثقة تامة أن وراءه رجال أشداء محنكين قد إكتسبوا الحنكة والخبرة وتعلموا منه الكثير من فنون القيادة وأصقلتهم التجارب.

وأصبح كل منهم مؤهلا للقيادة وكان علي ثقة تامة أنهم سيحسنون التصرف في غيابه لو تعرضوا لموقف مفاجئ يستوجب إتخاذ قرار سريع كان منهم عملاق بني تميم وفارسها البطل المغوار نائبه القعقاع بن عمرو التميمي.

والذى يقول عنه سيدنا أبو بكر إنه بألف رجل وشقيقه عاصم بن عمرو التميمي وفارس بني أسد المغوار ضرار بن الأزور الأسدى وضرار بن الخطاب الفهرى وعياض بن غنم الفهرى وضرار بن مقرن المزني والمثني بن حارثة الشيباني وشقيقه المعني بن حارثة الشيباني وعدى بن حاتم الطائي وبسر بن أبي رهم الجهني وسعيد بن مرة العجلي قائدا جناحي كمين الولجة.

الذى سحق جيش الفرس بقيادة الأندرزغر سحقا ودليله رافع بن عميرة الطائي ومذعور بن عدى وشجرة بن الأعز وبالفعل فقد غاب قبل رحلة حجه عن الحيرة والعراق حوالي شهر كامل عندما توجه لفتح دومة الجندل وفك حصار عياض بن غنم الفهرى وهو مطمئن تماما ثقة منه في حسن تصرف وصواب قرار نائبه القعقاع بن عمرو التميمي.

إذا واجهته أى ظروف وفي الحقيقة كان خالد بن الوليد مدرسة عسكرية متكاملة الأركان تخرج منها كل هؤلاء القادة الكبار بإمتياز مع مرتبة الشرف الأولى حيث كان خالد حريصا علي نقل خبراته وتجاربه إليهم فلم يكن لديه هاجس أو تخوف أنهم من الممكن أن يتفوقوا عليه ومن ثم يكون هناك إحتمال أن يزيحوه عن منصبه القيادى.

وكان مؤمنا بأنه إذا لم يكن هناك رجال يمثلون الصف الثاني من بعده فمعني هذا أنه كصف أول قد فشل فشلا ذريعا ولذلك فقد كان جميع القادة يحترمونه ويوقرونه ويعلمون مكانته وقدره وفطنته في مجال الحرب ويحبون أن يعملوا معه وتحت قيادته ويتعلموا منه ويكفيه أنه كان مجرد ذكر إسمه في بلاط إمبراطوريتي الفرس والروم كان يثير الرعب والفزع في النفوس.

فهو الذى زلزل أركانهما وهز عرشيهما بتوفيق من الله تعالي ورحم الله فارسنا المغوار وبطلنا الفذ الذى سيأتي يوم القيامة بإذن الله وجروحه العديدة التي تكلم عنها وتغطي جسمه بالكامل لونها بلون الدم ورائحتها برائحة المسك كما يخبرنا نبينا محمد صلي الله عليه وسلم في حديثه بما معناه أنه مامن جريح يجرح في سبيل الله إلا ويأتي يوم القيامة بجروحه لونها كلون الدم ورائحتها برائحة المسك.

والذى قال أيضا عن خالد مادحا إياه نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد وهو سيف من سيوف الله سلَّه الله عز وجل على الكفار والمنافقين وأيضا كان الخليفة عمر بن الخطاب يثني على خالد كثيرا في غيابه وبعد وفاته فنجده قد سأل ذات مرة أحد الشعراء عن ما قاله في خالد بن الوليد وطلب منه أن ينشده ما قاله فيه فأنشده فقال له عمر والله لقد قصرت في الثناء على أبي سليمان رحمه الله .

جامع خالد بن الوليد
جامع خالد بن الوليد

جامع خالد بن الوليد بحمص

ولما توفي خالد بن الوليد دفن بضريح ألحق بجامع صغير سمي جامع خالد بن الوليد أو جامع سيدى خالد كما سماه العامة وهو يعد أحد المعالم الرئيسية الهامة بمدينة حمص السورية ويقع في منطقة الخالدية في الجهة الشمالية الشرقية من هذه المدينة التي تقع على نهر العاصي ويضم هذا الجامع ضريح القائد العربي الصحابي خالد بن الوليد الملقب بسيف الله المسلول المتوفى في مدينة حمص أواخر عام 21 هجرية وفي عهد المماليك في عام 664 هجرية الموافق عام 1265م.

شيد بدلا من هذا الجامع الصغير جامع ضخم بأمر السلطان المملوكي الظاهر بيبرس والذى قام بوقف إحدى قرى صفد بالشام لخدمة ضريح خالد بن الوليد وتشير إلى ذلك كتابتان أثريتان بخط النسخ على قطعتين خشبيتين مؤرختين في شهر ذي الحجة سنة أربع وستين وستمائة بعد الهجرة وقد وجدت الأولى على باب خشبي والثانية على حشوة خشبية مؤلفة من خمسة أسطر.

وذلك عند إعادة بناء الجامع في عهد الدولة العثمانية حينما أمر ناظم باشا والي حمص في عصر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بهدمه وبناء مسجد حديث وذلك بين عام 1908م وعام 1913م وقد بدأت قصة بنائه مع مرض أخت السلطان الذي كان شديدا وغريبا فلم يستطع الأطباء من المانيا إلى الصين أن يعرفوا سبب هذا الداء وأن يجدوا له الدواء الشافي.

فنصح العلماء السلطان أن يستعين بخبراء الطب النبوى الشريف ووقع الإختيار على الشيخ محمد سعيد زين العابدين من حمص المشهود له ببراعته في الحكمة والطب النبوى الشريف وكذلك صناعة الأدوية من الأعشاب وبالفعل نجح هذا الشيخ في شفائها بفضل الله أولا ثم بواسطة أدوية قام بتركيبها من الأعشاب فأرادت الأميرة أن تكافئه بأراض ممتدة يختارها أينما يريد.

ويكون هو الآمر الناهي فيها وقد رفض الشيخ هذا العطاء فهو رجل علم ودين وليس رجل دنيا ومال وجاه لكن السلطان عبد الحميد الثاني أصر على تكريم ومكافأة الشيخ الحكيم قائلا إختر أي شئ في إسطنبول لأقدمه لك ومعك ثلاثة أيام لتفكر ومن هنا كانت ولادة مسجد خالد بن الوليد في حمص حيث عاد الشيخ محمد سعيد زين العابدين بعد الأيام الثلاثة.

ليقول للسلطان أعجبتني جوامع إسطنبول كثيرا لكن أكثر ما أعجبني كان جامع السلطان أحمد ولذا فأنا أتمنى أن يكون في حمص جامع مثله على قبر الصحابي خالد بن الوليد وبالفعل أمر السلطان بتشييد الجامع فكان شبيها بجامع السلطان أحمد لكن مساحته أصغر وقد قام بهندسته مهندس معماري من سكان إسطنبول.

لكن العمال الذين قاموا بتنفيذ البناء كانوا من أهالي حمص وقد إشترك المعماري باشي عارف خزام وآخر من آل سمرة وهما من أسرتين مسيحيتين في بناء هذه التحفة المعمارية وبعد بدء البناء بفترة إنقطع الإمداد المادي من السلطان عبد الحميد بعد قيام حركة الإتحاد والترقي المعارضة في تركيا والتي وصلت إلي سدة الحكم وحولت السلطنة إلي ملكية دستورية.

وقلصت من سلطات السلطان فصار الموكلون بأمر الجامع من أهالي حمص يجمعون التبرعات من أهالي المدينة إضافة إلى النذور التي كانت موجودة على ضريح سيدنا خالد بن الوليد لإتمام عمارة الجامع وفي فترة لاحقة صار أبناء كل حي من أحياء مدينة حمص يتبرعون بيوم عمل ويجلبون الحجارة الزرقاء والسوداء من المحاجر التي توجد خارج المدينة من أجل إستكمال بناء الجامع وهكذا حتي إكتمل البناء .

الوصف المعماري لمسجد خالد بن الوليد
الوصف المعماري لمسجد خالد بن الوليد

الوصف المعمارى لجامع خالد بن الوليد بحمص

وقد جاء بناء هذا الجامع آية في الروعة والجمال في قبابه البيضاء العالية وفي مئذنتيه الرشيقتين اللتين تم بناؤهما بالحجر الجيرى الأبيض والأسود البازلتي ويصعد إليهما بدرجين حجريين ويزين أطرافهما قرانص بسيطة وتنتهي كل واحدة منهما بمخروط عثماني وفي جدرانه الخارجية التي تناوبت حجارتها البركانية بين الأبيض والأسود.

وقد خففت من حدة سوادها صفوف من حجارة كلسية شاهقة البياض أضفت على هذا السواد فتنة وروعة وسحرا نورانيا وللجامع حرم مربع الشكل طول ضلعه 30.5 متر وتعلوه تسع قباب أعلاها القبة الوسطى إذ يبلغ إرتفاعها نحو 30 مترا وقطرها 12 مترا وهي تستند على أربع ركائز مربعة مقواة بعضائد ضخمة والقباب الباقية تستند من جانب على هذه الركائز ومن جانب آخر على جدران الحرم.

وخمس منها نصف كروية والأربعة الأخرى أنصاف بيضاوية الشكل وفي صدر الحرم ثلاثة محاريب لكل منها عمودان من الرخام الأبيض إلا أن المحراب الأوسط قد زين بالرخام المجزع بأشكال هندسية ونباتية جميلة وملونة بالأحمر والأسود والأبيض كما تبدو الحنيات الركنية للمحراب مزدانة بالأزهار الملونة والتوريقات الجميلة.

أما المحرابان الآخران فلهما نفس حجم المحراب الأوسط ولكنهما تخلوان من النقوش والزخارف وأما المنبر فهو من الرخام الأبيض وعلى جدرانه نقوش وتخاريم في غاية الإتقان والبهاء كما يتميز بدرابزين مشكل من الرخام أيضا بالإضافة إلى وجود منبر خشبي مزخرف وقد صنعت واجهته على طريقة الدهان العجمي الجميل.

ولها مقرنص لطيف وقد تم صنعه في عام 1197 هجرية وفي الزاوية الشمالية الغربية من الحرم يوجد ضريح خالد بن الوليد المبني بالرخام الأبيض والذى تعلوه قبة من الخشب وفي زاوية هذا الضريح ضريح صغير لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وفي الزاوية الشمالية الغربية ضريح ثالث لعبيد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه والمساحة الإجمالية للبناء الحالي للجامع 4399 متر مربع.

وله ثلاثة مداخل رئيسية تعلو الأوسط منها لوحة رخامية دون عليها عبارة لا اله إلا الله محمد رسول الله كما يضم الجامع غرفة لوضع أمتعة الجامع وثمانية غرف لإيواء الفقراء ومطبخ وبيت للحطب وممر وبيت للخلاء وغرفة للوضوء وغرفة لتدريس العلم .

انتهت حلقات خالد بن الوليد رضي الله عنه
انتهت حلقات خالد بن الوليد رضي الله عنه

جامع خالد بن الوليد موئلا للحرية والنضال بخلاف مكانته الدينية

وقد ظل جامع خالد بن الوليد بعد مرور زمن طويل من بنائه إلى جانب مكانته الدينية موئلا للحرية والنضال درج في محاريبه ومصلاه عدد كبير من علماء مدينة حمص ورجال الدين فيها الذين قارعوا الإحتلال العثماني ومن بعده الإحتلال الفرنسي من على منبره سنوات طويلة وكانت الخطب التي تلقى من على منبره بمثابة بيانات تحريض تدعو الناس للثورة.

والتحرر وفك القيود عنهم وعن بلادهم وكان من هؤلاء العلماء الشيخ جمال الدين الجمالي مفتي الشافعية في حمص وإمام وخطيب جامع خالد بن الوليد الذي كان عالما وثائرا ضد الإستعمار الفرنسي وكان يهاجم الإنتداب الفرنسي من على منبر الجامع هجوما لاذعا مستمرا لا هوادة فيه وقد حاول المستشار الفرنسي بحمص التقرب إليه لزيارته في بيته.

بعدما رفض الشيخ زيارة المستشار في مكتبه بقوله الذي أصبح مثلا بعد ذلك نحن لا نزار ولا نزور وقد تعرض للنفي عام 1933م ولم تعد له حريته إلا بعد مظاهرات صاخبة وإحتجاجات مستمرة في حمص وفي المدن السورية واللبنانية على حد السواء وكان من علماء المدينة أيضا الذين كان لهم دور كبير في تأجيج نار الثورة على الإحتلال العثماني العلامة الشيخ عبد الحميد الزهراوي.

الذي كان أحد شهداء أحداث يوم السادس من شهر مايو عام 1916م والذى تم تسميته يوم الشهداء وذلك بسبب أحكام الإعدام التي نفذتها السلطات العثمانية بحق عدد من الوطنيين السوريين في كل من بيروت ودمشق إبان نهاية الحرب العالمية الأولى ما بين يوم 21 أغسطس عام 1915م وحتي أوائل عام 1917م.

وقد إختير يوم 6 مايو ليكون يوم الشهداء ومن بعدها صار هذا اليوم يحتفل به في كل عام وتمت تسميته عيد الشهداء إذ أن عدد الشهداء الذين أعدموا في هذا اليوم من عام 1916م كان هو الأكبر عددا وبذلك نكون قد وصلنا إلى نهاية رحلتنا مع سيرة الصحابي الجليل والقائد العسكرى الفذ عبقرى الحرب سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه جزاه عنا وعن الإسلام خير الجزاء .

جميع الحقوق محفوظة للكاتب وأي نسخ أو تعديل أو تضمين للمقال يتم من خلال الكاتب / أ. طارق بدراوي .

انتظرونا في الحلقات القادمة مع أحداث جديدة من حياة الصحابي جليل أخر من سلسلة الشخصيات الإسلامية العظيمة، نتعرف معا عن قرب عليها ونلقي الضوء على جوانب حياتية ومعلومات قيمة لا يعرفها الكثيرون فتابعونا ،،

شارك الخبر

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *