شخصيات إسلامية: خالد بن الوليد – الحلقة التاسعة

شخصيات إسلامية: خالد بن الوليد – الحلقة التاسعة
شخصيات إسلامية: خالد بن الوليد - الحلقة التاسعة

 خالد بن الوليد وفتح بعلبك، توقفنا في الحلقة السابقة عند فتح المسلمين دمشق عاصمة الشام وأهم مدنه وفي هذه الحلقة نكمل مسيرة فتوحات الشام فبعد فتح دمشق أمضى المسلمون فصل الشتاء فيها وكانت الخطوة التالية فتح حِمص فقد كان هرقل مقيما فيها أثناء حصار دمشق فلما رأى أن قواته لا تستطيع الوصول إلى عاصمة الشام للدفاع عنها إنتقل من حمص إلى أنطاكية.

وكان يربط دمشق وحمص طريقان أحدهما شرقي خارجي متاخم لِصحراء السماوة ويمر بدوما وقطيف والنبك وقارا وشمسين وصولا إلى حِمص والآخر غربي ويمر في سهل البقاع إلى بعلبك وجوسية وحِمص ويشكل أحد أحد فروع طرق التجارة الشرقية الذى يمر بوادي نهر العاصي وكانت تسلكه الفرق العسكرية والبريد وهذا يعني أنه كان الأكثر إستعمالا وإختار خالد بن الوليد بعد مشاورات مع أبي عبيدة أن يسلك المسلمون الطريق الثاني.

بهدف السيطرة عليه نظرا لِأهميته العسكرية وهكذا نجد أن ابا عبيدة كان لا يستغنى عن مشورة خالد بن الوليد ويصطحبه دائما في أى تحركات لجيش المسلمين ثقة في قدراته وفطنته العسكرية وقبل أن ينطلق جيش المسلمين إلى حمص إستخلف أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان على دمشق وعمرو بن العاص على فلسطين وشرحبيل بن حسنة على الأردن وسار إلى سهل البقاع يتقدمه خالد بن الوليد ولما إقترب من بعلبك تصدت له قوة عسكرية رومية إستطاع التغلب عليها.

وأجبر أفرادها على الإرتداد والإحتماء داخل الحصن وضرب المسلمون الحصار على بعلبك ولما رأى سكانها ألا أمل لهم في الإنتصار إستسلموا في يوم 25 من شهر ربيع الأول عام 15 هجرية الموافق يوم 6 من شهر مايو عام 636م فأعطاهم أبو عبيدة الأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وكتب لهم كتابا بذلك ومنحهم مدة شهرين فمن أراد المغادرة سار إلى حيث شاء.

ومن أقام ورغب في البقاء على دينه فعليه الجزية ولما دخل المسلمون بعلبك وجدوها مدينة متنوعة الأعراق فقد سكنها الروم وهم رعايا الإمبراطورية البيزنطية الحاكمة والفرس وهم من بقايا الجنود والإداريين الذين أخضعوا الشام لحكمهم أثناء صراعهم مع البيزنطيين وقد إستقر الكثير منهم والعرب والسريان وهم السكان الوطنيون من أهل بعلبك ومنهم النبطيون .

خالد بن الوليد رضي الله عنه
خالد بن الوليد رضي الله عنه

 خالد بن الوليد سيف الله المسلول: فتح حمص

وكانت الخطوة التالية لجيش المسلمين فتح حمص والتي كانت في النصف الأول من القرن السابع الميلادى أى قبل الفتح الإسلامى مركزا إداريا هاما كما كانت قاعدة هرقل يرسل منها الجيوش لمحاربة المسلمين في جنوب الشام ويدير منها العمليات العسكرية وبعد فتح بعلبك سار أبو عبيدة إليها ولما وصل إلى ضواحيها تصدت له قوة عسكرية في جوسية على بعد ستة فراسخ منها بين جبل لبنان وجبل سنير فوجه إليها خالد بن الوليد.

فإشتبك مع أفرادها وهزمهم فولوا الأدبار ودخلوا المدينة وكما إمتنعت دمشق على المسلمين فقد إضطروا لحصار حمص كذلك كان حالهم مع حمص التي أغلقت أبوابها في وجههم وكانت القوة المدافعة عن المدينة تأمل في تلقي دعم سريع من جيوش الإمبراطورية والواقع أن هرقل أرسل إلى أفراد الحامية يعدهم بالمساعدة ويشجعهم على المقاومة لكن هذه الوعود لم تتحقق.

حيث كان من الصعب على الإمبراطور البيزنطي أن يجمع جيشا على وجه السرعة ويقذف به في المعركة نجدة لحمص وعند ذلك أمل هؤلاء أن يجبر البرد وقساوة الطقس المسلمين المحاصرين لمدينتهم على التراجع وإنقسموا إلى فئتين مالت الأولى إلى التفاهم مع المسلمين بفعل قوتهم الكبيرة التي هزمت الروم في أكثر من مناسبة وعجز البيزنطيين عن إمدادهم بالمساعدة.

وأصرت الثانية على الإستمرار في المقاومة والصمود ويروى الطبرى أن بعض الحِمصيين صالح بعضهم على صلح أهل دمشق على دينار وطعام على كل قادر وصالح بعضهم على قدر طاقته فإن زيد حاله زيد عليه وإن نقص نقص وطال أمد الحصار على أهل حمص وساءت حالتهم وخشوا على أنفسهم من السبي إن فتحت مدينتهم عنوة.

ووقع في هذه الأثناء زلزال في المدينة أدى إلى تدمير بعض البيوت والمنشآت وألحق أضرارا أخرى بالسكان في الوقت الذى تجاوز فيه المسلمون الأوضاع المناخية السيئة الأمر الذى أدى إلى التوافق بين الحامية البيزنطية والسكان إلى طلب الصلح فنالوه وكتب لهم المسلمون عهدا بعدم التعرض لهم في حياتهم وأملاكهم ودورهم وأماكن عبادتهم لقاء الجزية.

وساير المسلمون مشاعر الحمصيين إلى حد بعيد فلم يدخلوا المدينة بل نصبوا خيامهم بالقرب منها على ضفاف نهر العاصي وكتب أبو عبيدة إلى عمر في المدينة المنورة يخبره بما حدث ويعلمه بأن الجيش الإسلامي سيتوجه نحو الشمال لمطاردة هرقل وتأمين الحدود الشمالية لبلاد الشام من أى هجمات قد يشنها البيزنطيون .

فتح المناطق الشمالية ببلاد الشام

وقام أبو عبيدة بالتخطيط لإستئناف التوسع نحو الشمال حيث بات الطريق مفتوحا أمامه وتشاور مع خالد بن الوليد في ذلك فإستقرَ الرأى على فتح منطقة شمالي الشام بما فيها أنطاكية وحلب ومطاردة هرقل الإمبراطور البيزنطي فأرسل ميسرة بن مسروق العبسي إلى حلب في حين خرج هو من حِمص لاستكمال فتح قِطاعها وإصطحب معه خالد بن الوليد وإستخلف عبادة بن الصامت على المدينة.

فتح المناطق الشمالية ببلاد الشام
خالد بن الوليد: فتح المناطق الشمالية ببلاد الشام

فوصل إلى حماة فصالحه أهلها على الجزية في رؤوسهم، والخِراج على أرضهم ومضى نحو شيزر فخرج أهلها وصالحوه على ما صالح به أهلُ حماة وتابع تقدمه حتى بلغ معرة النعمان ففتحها ثم أتى أفامية فأذعن له أهلها بالجزية والخراج وبهذه الفتوح أتم المسلمون فتح جزء كبير من شمالي بلاد الشام.

وكان من رأى الخليفة عمر بن الخطاب أن يستقر المسلمون في حمص حتى نهاية الحول قبل أن ينطلقوا نحو إستكمال فتح باقي المناطق الشمالية من الشام والمتاخمة للحدود البيزنطية لذلك إستدعى أبو عبيدة ميسرة ووزع قوَاته على مختلف نواحي الشام لضبط أمورها بعد أن إستتب الوضع الميداني للمسلمين نسبيا ولِيُعطوا سكان البلاد طابع الدولة الجديدة.

وإستقر هو في حمص وأرسل خالدا إلى دمشق ليقيم بها وكلف عمرو بن العاص أن يقيم في فلسطين وهكذا توقفت حركة الفتوح في الشام مؤقتا باقي العام ثم بعد إنقضاء الحول بعث أبو عبيدة خالد بن الوليد على مقدمة جيشه إلى قنسرين بأقصى شمال الشام حيث إلتقى وهو في طريقه إليها بجيش الروم الذى كان يقوده ميناس وكان من أعظم الروم بعد هرقل.

ووقعت بين الجمعين معركة كبيرة قتل فيها ميناس وعدد كبير من جنوده وكان أهل المنطقة عرب مسيحيين من تنوخ فأرسلوا إلى خالد بن الوليد أنهم عرب وإنهم لم يكن من رأيهم حربه. فدعاهم أبو عبيدة بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم بعضهم وبقي البعض على النصرانية فصالحهم على الجزية وسار خالد بن الوليد حتى نزل على قنسرين فقاتله أهل المدينة ثم لجأوا إلى حصنهم فتحصنوا داخله.

فهددهم بما معناه أن المدينة ستسقط بيد المسلمين لا محالة فنظروا في أمرهم ورأوا ما لقي أهل حِمص فصالحوا المسلمين على صلح حمص على دينار وطعام على كل قادر ودعا أبو عبيدة أهل قنسرين إلى الإسلام فأسلم بعضهم وأقام على النصرانية بعضهم الآخر ولما فرغ أبو عبيدة من قنسرين سار إلى حلب فبلغه أن أهل قنسرين نقضوا وغدروا فوجه إليهم السمط بن الأسود الكندى .

فحاصر المدينة وأعاد فتحها وغنم فيها بعض المواشي من أبقار وأغنام فقسم بعضه في جيشه وجعل بقيته في المغنم ولما ورد أبو عبيدة عليهم أسلم المزيد من أهالي المدينة وصولح كثير منهم على الجزية ثم أسلموا بعد ذلك بيسير إلا البعض منهم الذى فضل البقاء على المسيحية ولما وصل المسلمون إلى حلب تحصن منهم أهلها وجاء أبو عبيدة.

حتى نزل عليهم فطلبوا من المسلمين الصلح والأمان فقبل منهم أبو عبيدة وصالحهم وكتب لهم أمانا ودخل المسلمون حلب من باب أنطاكية وسار أبو عبيدة بعد ذلك إلى أنطاكية وكانت مركزا لجيوشِ الإمبراطورية البيزنطية ومقر هرقل ومأمنه وكان قد لجأ إليها كثير من البيزنطيين بعد هزيمتهم في حمص وما بعدها وفتح أثناء زحفه أعزاز بدون قتال.

وحاولت قوة عسكرية رومية خرجت منها وقف تقدمه إلا أنها فشلت وإضطر أفرادها للعودة والتحصن بالمدينة ولما وصل أبو عبيدة إلى أنطاكية ضرب الحصار عليها وجرت مناوشات بين الطرفين إضطر بعدها السكان إلى طلب الصلح وأقروا بالجزية ووافق أبو عبيدة على طلبهم ودخل المسلمون بعد ذلك إلى المدينة .

إنتصار المسلمون على الروم
خالد بن الوليد 

تأمين الحدود الشمالية لبلاد الشام

ونظرا لِأهمية موقع أنطاكية كمركز متقدم متاخم لحدود الروم أمر الخليفة عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح بشحنها بالمقاتلين الأشداء وكان هرقل إمبراطور الروم قد خرج من أنطاكية قبل وصول المسلمين وعاد إلى عاصمته القسطنطينية وتروى المصادر الإسلامية أنه ودع بلاد الشام للمرة الثانية قائلا نفس ما قاله في المرة الأولى بعد إنتصار المسلمين في أجنادين واليرموك وفحل حيث قال وداعا يا سوريا إلى الأبد وداع لا لقاء بعده.

مدركا أن الروم قد خسروها للأبد وكان من الضروري لتأمين الفتوح الإسلامية في الشام من التعرض لردود فعل البيزنطيين بمحاولة العودة إلى السيطرة على مناطق أقصى شمالي بلاد الشام الملاصقة لحدود الروم بإقليم الأناضول لذلك قام أبو عبيدة بنشر فرقه العسكرية في جميع أنحاء المنطقة من أجل إخضاع كافة مدن وقرى المنطقة لسلطان المسلمين.

وبالفعل فقد تم فتح هذه المدن والقرى يسهولة ويسر نظرا لإنعدام المقاومة الجدية من جانب الروم وأهل تلك المدن والقرى ويأسهم التام من إحراز أى إنتصارات على المسلمين وكان من تلك المدن والقرى معرة مصرين وبوقا والجومة وسرمين ومرتحوان وتيزين وخناصرة وقورس والساجور ومنبج ومرعش ورعبان ودلوك وعراجين وبالس وقاصرين واللاذقية وغيرها.

وقد صالحت كل هذه المدن والقرى المسلمين على عهود الصلح التقليدية التي صالح عليها من قبل كل من حمص وأنطاكية وقنسرين وغيرها ونكمل في الحلقات القادمة بإذن الله فتوحات الساحل اللبناني وباقي فلسطين وبيت المقدس وقيصارية وباقي الأردن .

جميع الحقوق محفوظة للكاتب وأي نسخ أو تعديل أو تضمين للمقال يتم من خلال الكاتب / أ. طارق بدراوي .

انتظرونا في الحلقات القادمة مع أحداث جديدة من حياة الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه من سلسلة الشخصيات الإسلامية العظيمة، نتعرف معا عن قرب عليها ونلقي الضوء على جوانب حياتية ومعلومات قيمة لا يعرفها الكثيرون فتابعونا ،،
شارك الخبر

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *