شخصيات إسلامية: خالد بن الوليد – الحلقة العاشرة

شخصيات إسلامية: خالد بن الوليد – الحلقة العاشرة
شخصيات إسلامية: خالد بن الوليد - الحلقة العاشرة

خالد بن الوليد وفتوح الساحل اللبناني وإستكمال فتوح فلسطين، توقفنا في الحلقة السابقة عند قيام جيش المسلمين بفتح المناطق الشمالية من بلاد الشام وتثبيت أقدام المسلمين في تلك المناطق لكن كان مايزال هناك جيوب للبيزنطيين في ساحل لبنان وكان قد بدأ الإحتكاك العسكرى بين المسلمين والبيزنطيين في ذلك الساحل أثناء حِصار بعلبك حيث كان للمسلمين مركزان مسلحان.

الأول في برزة عليه أبو الدرداء الأنصاري والثاني في عين ميسنون عليه أبو عثمان الصنعاني شراحيل بن مرثد فأغار أحد القادة البيزنطيين ويدعى سسناق على المركز الثاني منطلقا من بيروت ونجح في قتل جماعة من الحامية الإسلامية لهذا المركز وقد شجعت هذه الغارة البيزنطية المسلمين للسيطرة على القطاع الأوسط من ساحل الشام.

والذي يمتد من عرقة شمالا إلى صيدا جنوبا وطرد البيزنطيين من ثغوره ومنعهم من إستعمالها كقواعد للإنطلاق لمهاجمة الداخل الشامي فخرج يزيد بن أبي سفيان من دمشق على رأس قوة عسكرية متوجها نحو الساحل وصحبه أخوه معاوية ولم تحدد المصادر التاريخية الطريق الذى سلكه إلى المدن الساحلية.

والارجح أنه إجتاز الطريق المعاصر الذى يمر بمنعطفات جبال لبنان وهذا يعني أن هذا الطريق كان خاليا من أى قوة بيزنطية بعد الضربة القاصمة التي كان قد تلقاها البيزنطيون في معركة اليرموك وفي معركة أجنادين قبلها وفي معركة فحل بعدها حتى أن أرض الشام فتحت على مصاريعها أمام المسلمين.

الذين تعدوا الداخل إلى إقليم الساحل دون مقاومة ولم يبين لنا المؤرخ البلاذرى الذى ارخ لهذه الفتوحات أى مدينة فتحت قبل الأخرى لكن من المتفق عليه أن مدن ساحل لبنان فتحت في ذات الوقت تقريبا وكان من الواضح أنها كانت مدن صغيرة وغير محصنة بما يكفي لذا كان فتحها سهلا يسيرا وكانت مأهولة بالروم والعرب والسريان.

وقد جلا أغلب أهلها من الروم وبقي فيها العرب والسريان وصالحوا المسلمين ومن جهة أخرى توجه عمرو بن العاص إلى قطاعه فلسطين وربما كان ذلك عبر نهر الأردن ففتح سبسطية الواقعة إلى الشمال الغربي من نابلس ثم فتح هذه الأخيرة وأعطى أهلها الأمان على أنفسهم وأموالهم ومنازلهم على أداء الجزية والخراج ثم فتح اللد ونواحيها ويبنى وعمواس.

وبيت جبرين ثم هبط جنوبا ففتح رفح وفي رواية أنه فتح عسقلان وكان قد فتح غزة في عهد الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق وحاصر قيصارية التي كانت من أشهر المدن آنذاك .

تكليف الخليفة عمر بن الخطاب لأبي عبيدة بفتح بيت المقدس

تكليف لأبي عبيدة بفتح بيت المقدس
تكليف لأبي عبيدة بفتح بيت المقدس

وبعد هذه المرحلة من فتوحات بلاد الشام عقد أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه القائد العام للمسلمين في بلاد الشام مجلس الحرب في أواخر شهر شعبان عام 15 هجرية الموافق أوائل شهر أكتوبر عام 636م لمناقشة الخطط المستقبلية والأهداف المتنوعة بين مدينتي قيصارية الساحلية والقدس حيث رأى أبو عبيدة أهمية هذه المدن على حد سواء.

والتي قاومت كل محاولات المسلمين في الفتح فكتب للخليفة عمر رضي الله عنه يستشيره في إتخاذ قرار بشأن هذه المسألة فأمره الخليفة بفتح بيت المقدس أولا حيث كان بيت المقدس يمثل القاعدة البيزنطية الهامة ومركز تجمع البيزنطيين الذين فروا من المواقع التي هزمت فيها جيوشهم.

كما كانت ملجأ للذين خرجوا من المدن التي فتحها المسلمون ورفضوا البقاء فيها مثل دمشق وكان الأرطبون وهو أحد القادة البيزنطيين من بين الذين لجأوا إليها وقاد عملية المقاومة ضد المسلمين وكان المسلمون قد وضعوا المدينة نصب أعينهم منذ أن توغلوا في الشام.

نظرا لِمكانتها الدينية في الإسلام فهي أولى القبلتين وموطن الأنبياء والرسل ومسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومنها عرج إلى السماء وقاد عمرو بن العاص عملية حصار المدينة بوصفه قائد الجبهة الفلسطينية وقد واجه عمرو مقاومة ضارية من جانب حاميتها وسكانها ووجد مشقة بالغة في إمتصاص الهجمات البيزنطية.

فأرسل إلى الأرطبون يطلب منه التسليم مثل بقية المدن ووعده بالأمان وإستعمل البيزنطيون المجانيق من فوق الأسوار لضرب المواقع الإسلامية فسببت أضرارا بالأرواح والمعدات وعانى المسلمون من مصاعب طبيعية قاسية إذ إشتد البرد وإنهمرت الأمطار الغزيرة وتساقطت الثلوج الكثيفة.

فإستغل الأرطبون سوء الأحوال الطبيعية التي لم يتعود عليها المسلمون ورفض الدخول في الصلح وأطال أمد الحرب وشدد ضرباته ضدهم وهو يأمل أن يلحق بهم الهزيمة أو يضطرهم إلى فك الحصار عن بيت المقدس وإضطر عمرو بن العاص في هذه الظروف القتالية الصعبة أن يكتب إلى الخليفة عمر في المدينة المنورة.

يطلب منه المساعدة فإستجاب لطلبه وأرسل إلى أبي عبيدة لينجده فغادر المنطقة ونزل في الجابية وصحبه خالد بن الوليد وأرسل إلى يزيد بن أبي سفيان بأن يبعث أخاه معاوية لفتح قيصارية كي يشغل البيزنطيين على أكثر من جبهة .

فتح بيت المقدس

فتح بيت المقدس
فتح بيت المقدس

وسار أبو عبيدة بن الجراح بجيش المسلمين ومعه قادته من دمشق نحو القدس فلما علم الروم بذلك تحصنت حاميتهم داخل المدينة وكانت حصون المدينة منيعة وقوية حيث كان بطريك القدس بعد هزيمة البيزنطيين في اليرموك قد أصلح دفاعاتها وكان المسلمون وخاصة بعد إنتصارهم في اليرموك يهددون كل الطرق المؤدية إلى المدينة المقدسة.

وكان المسلمون قد إستولوا على الحصون المجاورة بيلا وبصرى وبذلك إنعزلت المدينة عن باقي مدن الشام وعندما وصل جيش المسلمين أريحا جمع بطريك الروم صفرونيوس الآثار المقدسة وأرسلها سرا إلى الساحل لأخذها للقسطنطينية وبدأت قوات المسلمين الحصار الأخير لبيت المقدس في شهر شوال عام 15 هجرية الموافق شهر نوفمبر عام 636م.

وتم فرض الحصار المشدد على المدينة من كل الجهات لاٍنهاك البيزنطيين بنقص الإمدادات حتى يمكن التفاوض على الإستسلام دون قتال وعلى الرغم من عدم تسجيل تفاصيل الحصار إلا أن الحامية البيزنطية لم تتوقع أي مساعدة من نظام هرقل المتواضع فأدركوا أن مدينتهم لن تستطيع الإستمرار في المقاومة وأن سقوطها أضحى مسألة وقت فإنسحب الأرطبون مستخفيا في قوة من الجند إلى مصر.

وتسلم بطريرك المدينة العجوز صفرونيوس مقاليد الأُمور فعرض عليه أبو عبيدة الإسلام أو الجزية أو الحرب وكان إعتناق الإسلام بالنسبة إلى سكان بيت المقدس آنذاك أمرا صعبا بل مستحيلا كما أن التجربة التي كانت قد مرت بها المدينة قبل نحو خمسة وعشرين عاما حين دمرها الفرس.

جعلت الأهالي يحرصون على أن يجنحوا إلى السلم إن سنحت الفرصة ولذا فبعد ان بلغت مدة الحصار أربعة أشهر عرض في النهاية صفرونيوس إستسلام المدينة ودفع الجزية بشرط أن يحضر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى القدس للتوقيع على إتفاق وقبول الإستسلام ويقال إنه عندما علم المسلمون بشروط صفرونيوس إقترح شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه.

أحد قادة المسلمين إرسال خالد بن الوليد رضي الله عنه على أنه الخليفة بما أنه كان مماثلا جدا في المظهر لعمر بدلا من إنتظار قدوم الخليفة من المدينة المنورة لكن هذا لم ينجح ربما لأن خالد كان مشهورا جدا في الشام أو قد يكون هناك بعض المسيحيين العرب في المدينة الذين زاروا المدينة المنورة وشاهدوا كل من عمر وخالد وبالتالي رفض بطريرك القدس التفاوض.

فكتب أبو عبيدة إلى الخليفة عمر عن الوضع ودعاه للقدوم إلى القدس لقبول إستسلام المدينة وفي شهر ربيع الأول عام 16 هجرية الموافق شهر أبريل عام 637م وصل عمر إلى فلسطين وذهب أولا إلى الجابية حيث إستقبله أبو عبيدة وخالد بن الوليد اللذان كانا قد وفدا لإستقباله.

وتركا عمرو بن العاص قائدا لجيش المسلمين المحاصر للقدس ولدى وصول عمر إلى القدس تمت صياغة العهدة العمرية وإستسلمت المدينة وأعطيت ضمانات الحرية المدنية والدينية للمسيحيين في مقابل الجزية وقد وقع عليها الخليفة عمر نيابة عن المسلمين وشهد عليها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم جميعا.

وفي أواخر شهر شوال عام 16 هجرية الموافق أواخر شهر أبريل عام 637م إستسلمت القدس رسميا للمسلمين وقد نص شرط في العهدة العمرية أن لا يسكن بالقدس أحد من اليهود وخطب عمر رضي الله عنه في أهل بيت المقدس قائلا يا أهل إيلياء لكم ما لنا وعليكم ما علينا ثم دعاه البطريرك صفرونيوس لتفقد كنيسة القيامة فلبى عمر دعوته.

وأدركته الصلاة وهو فيها فإلتفت إلى البطريرك وقال له أين أصلي فقال مكانك صل فقال ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة فيأتي المسلمون من بعدى ويقولون هنا صلى عمر بن الخطاب ويبنون عليه مسجدا فإبتعد عنها رمية حجر وفرش عباءته وصلى وجاء المسلمون من بعده وبنوا في ذلك المكان مسجدا سمي بمسجد عمر .

خالد بن الوليد رضي الله عنه
فتح بيت خالد بن الوليد رضي الله عنه

المحاولة الأخيرة الفاشلة لهرقل لإستعادة الشام

بعد الهزائم الساحقة المتتالية لقوات هرقل في تلك المعارك أصبحت فرصه لتصحيح أوضاعه قليلة بعدما أصبحت موارده العسكرية المتبقية ضعيفة لذا لجأ إلى طلب مساعدة من المسيحيين العرب من بلاد ما بين النهرين الذين حشدوا جيشا كبيرا توجهوا به نحو مدينة حمص قاعدة أبي عبيدة في شمال الشام.

وأرسل إليهم جندا عبر البحر من الإسكندرية وأمر أبو عبيدة كل قواته في شمال الشام بموافاته في حمص بعدما حاصرتها القبائل العربية المسيحية وكان من رأى خالد بن الوليد خوض معركة مفتوحة خارج المدينة إلا أن أبا عبيدة.

أرسل إلى عمر يطلب رأيه فبعث عمر إلى سعد بن أبي وقاص بأن يسير جندا لغزو منازل تلك القبائل العربية المسيحية في بلادها وأن يبعث القعقاع بن عمرو في أربعة آلاف فارس مددا لأبي عبيدة بل وسار عمر بنفسه من المدينة على رأس ألف جندى وقد دوت تلك الأنباء في العراق والشام فرأت تلك القبائل أن تسرع بالعودة إلى منازلها تاركين جند الروم في مواجهة مصيرهم أمام قوات المسلمين.

الذين هزموا تلك القوات هزيمة نكراء قبل أن تصل قوات المدد من العراق أو المدينة ثم أرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد في قوة لمهاجمة القبائل من الخلف وكانت تلك آخر محاولات هرقل لإستعادة الشام وبعد تلك المعركة أمر عمر باستكمال غزو بلاد ما بين النهرين.

فبعث أبو عبيدة خالد بن الوليد وبعث سعد عياض بن غنم لغزو شمال بلاد ما بين النهرين ففتحا الرها وديار بكر وملطية ثم إجتاحا أرمينية حتى بلغ خالد آمد والرها وهو يفتح البلاد ويستفئ الغنائم ثم عاد إلى قنسرين والتي كان قد تم نعيينه واليا عليها قبل هذه الأحداث وقد اجتمع له من الفئ شئ عظيم .

العزل الثاني لخالد بن الوليد

تحدث الناس بأفعال خالد بن الوليد في أرمينية وتحدثوا بإنتصاراته في بلاد الشام ومن قبل ببلاد العراق فتغنى الشعراء بفعاله فوهبهم خالد من ماله وأغدق عليهم وكان ممن وهبهم خالد الأشعث بن قيس الذى وهبه خالد عشرة الآف درهم وبلغ عمر في المدينة خبر جائزة خالد للأشعث فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يستقدم خالد بن الوليد مقيدا بعمامته.

حتى يعلم أجاز الأشعث من ماله الخاص أم من مال المسلمين فإن زعم أنها من مال المسلمين فتلك خيانة للأمانة وإن زعم أنها من ماله الخاص فقد أسرف وفي كلتا الحالتين يعزل خالد بن الوليد من قيادته للجيوش ومن ولاية قنسرين وتحير أبو عبيدة فترك تنفيذ تلك المهمة لبلال بن رباح رسول الخليفة بالكتاب.

وأرسل أبو عبيدة يستدعي خالد بن الوليد من قنسرين ثم جمع الناس وسأل بلال خالدا عما إذا كانت جائزته للأشعث من ماله الخاص أم من مال المسلمين فأجاب خالد بن الوليد إنها من ماله الخاص.

فأعلنت براءته وطلب منه التنازل لبيت المال عن نصف ماله فنفذ الأمر دون إعتراض منه قائلا نسمع لخليفتنا ونطيع وفاجأ أبو عبيدة خالدا بأن الخليفة قد عزله وأنه مأمور بالتوجه للمدينة المنورة فإرتحل خالد إليها للقاء عمر وكثر اللغط في الأمصار حول عزل عمر لخالد بن الوليد فأذاع عمر في الأمصار إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة.

ولكن الناس فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع وألا يكونوا بعرض فتنة ولما قدم خالد على عمر محتجا على ما إعتبره ظلما له إلا أن عمر أصر على قراره وكتب فيه إِلى الناس بهذا الكتاب المشار إليه ليعذره عندهم وليبصرهم وكانت تلك هي نهاية مسيرة خالد بن الوليد العسكرية والإدارية الناجحة.

وأقام خالد بن الوليد بعد ذلك في حمص وتفرغ للعبادة المدة المتبقية من حياته والتي لم تكن طويلة وفي الحلقة القادمة بمشيئة الله تعالى نستكمل مع سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه واللحظات الأخيرة في حياته وتقييمنا الموضوعي للقائد الفذ خالد بن الوليد الذى لم يخطئ قط في أى قرار إتخذه أثناء خوضه المعارك الضارية المتتالية سواء في العراق أو الشام والتي لم يهزم فيها قط .

جميع الحقوق محفوظة للكاتب وأي نسخ أو تعديل أو تضمين للمقال يتم من خلال الكاتب / أ. طارق بدراوي .

انتظرونا في الحلقة القادمة مع أحداث جديدة من حياة الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه من سلسلة الشخصيات الإسلامية العظيمة، نتعرف معا عن قرب عليها ونلقي الضوء على جوانب حياتية ومعلومات قيمة لا يعرفها الكثيرون فتابعونا ،،
شارك الخبر

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *